أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
203
شرح مقامات الحريري
[ الأصمعي ] وأما ابن قريب ، فهو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عليّ بن أصمع ، وإلى أصمع هذا ينسب . وأصمع فخذ من بني قتيبة بن معن بن أعصر بن سعيد بن قيس بن عيلان ، وبنو معن هم بنو باهلة وباهلة ، امرأة من همدان تزوّجت معنا فنسب ولده إليها . والأصمع في اللغة الضّامر الذي ليس بمنتفخ ، ومنه الصّومعة لضمرها ، وتدقيق رأسها ، ومثله قولهم : جاء بثريدة مصمّعة ؛ إذا رققها وأحد رأسها ، وسهم متصمّع : متلطّخ بالدم ، فانضمّت قذذه . وكان الأصمعيّ حافظا عالما عارفا بأشعار العرب وأخبارها ، كثير التطوّف بالبوادي لاقتباس علومها وتلقّي أخبارها ، فهو صاحب غرائب الأشعار ، وعجائب الأخبار ، وقدوة الفضلاء ، وقبلة الأدباء ، قد استولى على الغايات ، في حفظ اللغات ، وضبط العلوم الأدبيّات ، صاحب دين متين ، وعقل رصين ، وكان خاصّا بالرشيد ، آخذا لصلاته كثيرا ، وقد تقدّم في هذا الكتاب من الحكايات المسندة إلى الأصمعيّ ، ما يدل على تبحّره وحفظه . ومن حكاياته عن إعرابه على ما أشار له الحريريّ هنا : حدّث الأصمعي رحمه اللّه ، قال : أعرابي : حسن التدبير مع الكفاف ، أكفى من الكثير مع الإسراف . الأصمعي : سمعت أعرابيّا يقول : من كساه الحياء ثوبه ، أخفى على الناس عيبه ، الأصمعيّ : قال أعرابيّ : من اقتصد في الغنى والفقر ، فقد استعدّ لنائبات الدهر . قال : وقال أعرابيّ : عداوة الحكيم أقلّ عليك ضررا من مودّة الجاهل منهم . قال : وقال أعرابيّ : أعجز النّاس من قصّر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم . وقال : تزوّج أعرابيّ إلى بعض الحاضرة ، فلمّا كان ليلة دخوله بها ، إذا هي أدماء مجدورة ، فخرج من البيت وهو ينشد ويقول : [ السريع ] زوّجتني أدماء مجدورة * كأنها من خشب البيت قبيحة الوجه لها منظر * يفرّ منه ملك الموت قال : وجرى بين أعرابيّ وبين امرأته كلام بالمربد ، فشتمته ، فقال لها : اسكتي ، فو اللّه ما شعرك بوارد ، وما فوك ببارد ، ولا ثديك بناهد ، ولا بطنك بوالد ، ولا الخير فيك بزائد ، ولا الشرّ فيك بواحد ، وما أنا لك بحامد ، ولا بعد موتك بواجد . ونذكر بعد ذلك حكايته المشهورة مع الرشيد ووزرائه ، ويحتمل طولها لما احتوت عليه من غرائب الآداب ، وكان مجلس مذاكرة بين أفراد ، فأظهر كلّ رجل منهم أفضل ما يذكر .